تُعتبر هيئات المساحة الجيولوجية في العالم البوابة الرئيسة التي تطل منها المعرفة بالعلوم الجيولوجية للمجتمعات. لذلك حرصت هذه الهيئات على تنمية تلك المعرفة عبر أسس منهجية واضحة من أجل الحصول على بيانات جيولوجية يسهل التعامل معها لكي تصبح معلومات دالة يمكن لمختلف فئات المجتمع الاستفادة منها ومساعدة أصحاب القرار في اتخاذ القرارات الحيوية.

وقد أُنشئت هيئات المساحة الجيولوجية في العالم لغرض تزويد المجتمع بالمعرفة والمعلومات، والخرائط الجيولوجية التي استخدمت فيما بعد للتعرف على الموارد الطبيعية المختزنة في باطن الأرض وتحديد كمياتها. إن زيادة الطلب العالمي على الموارد الطبيعية أعطى حافزاً لمعظم هذه الهيئات على الحرص والإهتمام بأعمال التنقيب عن المعادن وعلى تقويم مصادرها اعتماداً على المعلومات الهائلة التي توفرت لديها نتيجة لأعمال المسح الجيولوجي وحصيلة لأعمال إعداد الخرائط وإجراء الدراسات الجيولوجية المختلفة.

ونظراً للتوسع الحضري الذي شهدهُ العالم بعد الحرب العالمية الثانية، والنظر بمزيد من القلق والحيرة إلى أضرار المخاطر الجيولوجية والمشاكل البيئية التي صاحبت هذا التطور المحموم، فقد قامت الهيئات الجيولوجية بالاهتمام بالعلوم الجيولوجية المتعلقة بالمخاطر الجيولوجية والمشاكل المتعلقة بتلوث البيئة، وتزويد المجتمعات بالمعلومات الجيولوجية المتعلقة بهذه المخاطر والمشاكل البيئية اللازمة للتعرف على كُنه وأسباب تلك المخاطر التي تساعد على الحد من أضرارها التي تُهدد أمن المجتمع وممتلكاته.

إن إعداد استراتيجية هيئة المساحة الجيولوجية السعودية في هذا الوقت، يُعد ضرورة وأمراً مُلحاً لتحقيق توجهات واستراتيجية الدولة، والتي تكون في حقيقتها امتداداً وتفصيلاً لها في مجال أعمال الهيئة. وتتمثل أهمية استراتيجية الهيئة في مواكبة التطور الملموس الذي يشهده المجتمع السعودي في جميع جوانبه الذي يتطلب الحصول على المعلومات التي تتوفر لدى هيئة المساحة الجيولوجية السعودية، وهي المعلومات اللازمة للمحافظة على الموارد الطبيعية والعمل على تنميتها وعدم استنزافها، إضافة إلى المعلومات التي تساعد على الحد من أضرار المخاطر الجيولوجية كالزلازل، والبراكين، والفيضانات، وزحف الرمال، وارتفاع منسوب المياه، والإنزلاقات الصخرية، والانخسافات الأرضية، والمعلومات الأخرى التي تساعد على الوقاية من مشاكل التلوث. وتستعمل المعلومات الجيولوجية المتراكمة في إعداد الدراسات الخاصة لاختيار أنسب أماكن التخلص من النفايات المصاحبة لمشاريع الإعمار والتعدين في المملكة.

إن استراتيجية هيئة المساحة الجيولوجية وضعت بطريقة علمية تسمح للهيئة بتطوير هيكلها التنظيمي وتغيير مسارات أعمالها الفنية كلما دعت الحاجة إلى ذلك، على النحو الذي يسمح بتوفير المرونة اللازمة للتعامل مع علوم الأرض المختلفة، ووضع الآلية الكافية التي تسهل عملية تزويد كافة شرائح المجتمع بالمعلومات الجيولوجية الضرورية، والقيام بمهامها المستمرة التي تُحقق أهدافها كجهة استشارية للدولة في مجال علوم الأرض.

وتُعتبر الإستراتيجية المِنهاج الذي سوف تخطو الهيئة في إطاره إلى المستقبل، مستندة إلى تاريخ طويل حافل بالأعمال والإنجازات في مجال علوم الأرض والتي كان من أهمها أعمال المسح الجيولوجي والتنقيب عن المعادن اللذين يُعتبران من الأعمال الاستراتيجية للهيئة والبنية الأساسية التي بُنيت عليها قواعد معلومات علوم الأرض.

لقد اعتمد إعداد هذه الإستراتيجية على تقييم الوضع الحالي بإيجابياته وسلبياته للوصول إلى تحديد مجموعة من الأهداف الرئيسة والسياسات العامة التي يجب أن تنتهجها الهيئة، وأن يتم تحقيقها من خلال عدد من الأهداف المرحلية والسياسات الواجب إتباعُها في تنفيذها بما يضمن تجانس وتتابع هذه الأهداف من النواحي العلمية والتطبيقية. مع مراعاة خصوصية كل منها دون الربط بينها وبين التشكيلات الإدارية والفنية الحالية أو أي تشكيلات قد يتم استحداثها في المستقبل، ذلك أن عدداً من هذه الأهداف قد تم تحقيقها أو تنفيذها في الماضي البعيد في ظل تشكيلات إدارية وفنية مختلفة لم ترتبط بحقبة زمنية مُعينة، إنما هي في الحقيقة وسيلة ومنهاج يجب أن يتبع تحت أي ظرف كان وفي أي زمان، حيث إنها أعمال في مجملها لها صفة الاستمرارية والإستكمالية وتهدف في النهاية إلى توفير المعلومة الجيولوجية وتسهيل الحصول عليها من قبل مختلف فئات المجتمع، بحيث تكون هذه المعلومات موثقة علمياً ومتوافقة مع المقاييس والمعايير العالمية لتلبية حاجة الباحثين والمختصين في مجال علوم الأرض، خصوصاً تلك المعلومات التي تجمعت نتيجة لأعمال المسح والتنقيب في المملكة خلال الفترات الطويلة الماضية والتي تجاوزت النصف قرن من الزمان.